روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
59
عرائس البيان في حقائق القرآن
وقيل في قوله : مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ [ النساء : 125 ] أي : أعتق وجهه عن عبودية غيره ، وهو محسن آداب العبودية ، فله أجره عند ربّه ، دوام المعونة إليه من رضاه ، ولا خوف عليهم من فوت حظّهم من الحق ولا هم يحزنون ؛ بأن يشغلهم عنه بالجنّة . قال ابن عطاء : من جعل طريقه ووجهه ومراده وقصده وتدبيره للّه ، فلا يبقي له وجه إلّا إليه ، ولا يكون إلا عليه ، وهو محسن . قال : يري الحقّ بسرّه ، ويشاهده بحقائق معرفته ، ويطالعه بمعاني إخلاصه . قال عبد العزيز المكيّ : في هذه الآية حال مخلص في عمله ، هائب عن ربّه . وقال أيضا : من أخلص قلبه للّه محبّة ، وَهُوَ مُحْسِنٌ أي : كامل في محبّته ، وبالغ في مودّته . فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ أي : فأينما تولّوا بعيون الأسرار ، فثمّ مكاشفة الأنوار . وأيضا أشار بهذه الآية إلى مشاهدة المشهود في الشواهد ، كما كشف خليله حيث قال : هذا ربّي ، إذا نظر في دائرة الكون ، وفهم هذه الآية ، أنه من نظر بعين العقل فقبلته الآيات ، ومن نظر بعين الروح فقبلته الصفات . وقال ابن منصور : وجهه حيث توجّهت ، وفقده أين فقدت . فقال بعضهم : القصد إليه توجّهك ، والطريقة إليه استقامتك منك بفهمك ، وعنك بعلمك ، ارتبط كلّ شيء بضده ، وانفرد بنفسه . بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي : خلق السماوات والأرض ، وألبسهما من لباس سنا عزّه ؛ حتى تسكن قلوب أحبائه ، بالنظر إلى مشاهدة الصانع في المصنوعات . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 118 ] وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْ لا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ( 118 ) وقال بعضهم : علّة لكلّ صنع صنعه ، ولا علّة لكلّ صنع صنعه ، ولا علة لصنعه ، وليس لكأنه كان ؛ لأنه قبل الكون والكان ، وأوجد الأكوان ، بقوله : كُنْ . وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْ لا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ : لم يسمعوا كلام اللّه من داخل قلوبهم ، فثقلت أسماعهم من وقر الضلال . وأيضا ظنّوا أنهم من أهل المخاطبة ، وجهلوا مقام المشاهدة ، وقد أخطئوا فيما ظنّوا ؛ لأنهم لا يطيقون رؤية الوسائط ، أعنى معجزات النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم ، ولا فهم خطابه ، فإذا كان الأمر كذلك كيف يسمعون صرف الخطاب من حضرة الكمال .